هل تواجه موريتانيا شبح أزمة محروقات؟!
الأربعاء, 02 مارس 2022 18:09

altفي وقت متأخر من مساء الأربعاء 23 فبراير الجاري أعلنت اللجنة الوطنية للمحروقات عن اعتبار الصفقة التي كانت قد منحت لشركة ADDAX ENERGY بداية يناير الماضي "غير مثمرة"، ما يعني إلغاءها، لتعلن بعد ذلك نيتها فتح مناقصة دولية جديدة.

 

الإعلان عن إلغاء هذه الصفقة يأتي قبل نحو شهر ونصف من انتهاء العقد الحالي الذي يربط موريتانيا مع شركة ADDAX التي تحتكر توريد المحروقات للسوق الموريتاني منذ 2016، ما يجعل البلاد في مواجهة شبح أزمة في حال لم يتم إرساء المناقصة قبل 15 مارس على شركة أخرى.

 

وشكلت شركة ADDAX التابعة لمجموعة أوريكس إنرجي ORYX ENERGIE السويسرية، ما يشبه العقدة لحكومات موريتانيا منذ وصول الرئيس محمد ولد الغزواني للسلطة، ومرت العلاقة بها بمحطات وتقلبات متعددة عنوانها الفوز بكل الصفقات، وفي تفاصيلها الغرامات، وإلغاء الصفقات، قبل إعادة التجديد.

 

"شر لا بد منه"

دخلت شركة ADDAX السوق الموريتانية 2016، من خلال فوزها بصفقة تزويد البلاد بالمحروقات لمدة سنتين، واكتسبت مع الوقت ميزات جعلت منافستها من الشركات الأخرى شبه مستحيلة.

ويرى الخبير الاقتصادي سيد أحمد ولد ابوه أن شركة ADDAX أصحبت تتمتع "بميزة تفضيلية جعلت منافسيها مقتنعين أن ليس بإمكانهم الحصول على العقد الموريتاني"، محددا هذه الميزة في "توفرها على منصة تخزين في لاس ابلماس" بإسبانيا المجاورة وهو ما سيجعل الشركة أكثر قدرة وجاهزية من منافسها على تزويد السوق الموريتاني.

ويضيف الخبير الاقتصادي في مقال حول الجدل الذي أثير مؤخرا والمتعلق بفوز ADDAX مجددا بمناقصة المحروقات قبل إلغائها فاتح فبراير الجاري، أنه على موريتانيا أن تحذر "من السقوط في فخ حروب الوكلاء التجاريين الناشطين في عالم التزويد بالمحروقات".

وتزامن دخول الشركة للسوق الموريتانية 2016 مع تقليص مدة عقد تزويد المحروقات من ثلاث سنوات إلى سنتين، حيث حصلت الشركة على عقد من 2016 إلى 2018، ومن 2018 إلى 2020، قبل أن تتراجع مدة العقد إلى سنة واحدة منذ وصول الرئيس الحالي محمد ولد الغزواني إلى السلطة.

ونالت ADDAX صفقة تزويد موريتانيا بالمحروقات في إبريل 2021، بعد مسار طويل بدأ بمناقصة شاركت فيه إلى جانب  شركات TRAFIGURA وBP ENERGY  وSAHARA ENERGY، قبل أن يتم إلغاء الصفقة والتفاوض مع LISTACO الروسية التي منحت لها بالتراضي، وعبر مرسوم من مجلس الوزراء.

لكن المفاجأة كانت في انسحاب الشركة الروسية من الصفقة لاحقا، متعللة بعدم قدرتها على الاستجابة للشروط الواردة في العقد، ليتم التمديد لشركة ADDAX ستة أشهر وإعلان مناقصة جديدة.

ورغم أن عرض ADDAX ENERGY في الصفقة التي تم إلغاؤها آنذاك كان الأخفض فقد صنفته الحكومة مرتفعا لتعود لاحقا مضطرة لمنحها الصفقة تحت ضغط نفاد المخزون الاستراتيجي من هذه المادة الحيوية، ومواجهة البلاد شبح أزمة محروقات (يقدر المخزون الاستراتيجي للبلاد بـ42 ألف طن من الوقود الثقيل، و80 ألف طن بالنسبة للمازوت، حيث لا ينبغي أن ينزل المخزون في البلاد عنها).

التاريخ يعيد نفسه

وقائع مسار صفقة المحروقات في 2020 عادت مجددا في 2022، فقد فازت بها من جديد شركة ADDAX، بحكم توفيرها المادة  لصالح 17 دولة إقريقية ووجود منصة لها قرب لاس بالماس ما يمكنها من توفير المحروقات لموريتانيا بسهولة، وبتكاليف أقل مقارنة مع أي منافس آخر.

 

ومع أن عرض شركة ADDAX كان الأخفض سعرا من بين العروض المشاركة، وبناء على ذلك تم إعلان فوزها بالصفقة بداية يناير الماضي، إلا أن الحكومة تراجعت واعتبرت الصفقة "غير مثمرة" وأعلنت عن مناقصة جديدة.

 

ويؤكد مختصون في المجال ومتابعون أن الحكومة الآن وقعت فيما يشبه الورطة، لأنه في حال شاركت شركة ADDAX في المناقصة الجديدة، فإنها ستفوز حتما بسبب ميزاتها في السوق الإقليمي، لأن عرضها سيكون الأخفض سعرا بين المتنافسين، كما أنه من الوارد أن يكون أعلى من عرضها في الصفقة السابقة التي تم إلغاؤها بسبب التغيرات العالمية في الأسعار والناجمة عن الحرب الروسية الأوكرانية.

 

وفي حال منعت شركة ADDAX من المشاركة في الصفقة، فإنها ستكون غير ملزمة بتزويد السوق الموريتاني بالمحروقات، فيما ستطلب الشركة الجديدة مدة معتبرة قبل التمكن من إيصال شحنات الوقود إلى البلاد.

 

كما أن الأسعار المتوقعة لعروض الشركات المتنافسة على الصفقة ستكون أعلى، خصوصا في ظل تأثيرات الحرب آنفة الذكر، وخصوصا أن ارتفاع الأسعار كان المبرر الذي اعتمدته لجنة المحروقات لإلغاء المناقصة التي فازت بها أداكس.

 

تزايد الضرائب وتغيير الممثلين

ويكشف مسار علاقة ADDAX مع موريتانيا، عن محدودية الضرائب التي دفعتها خلال الفترة الماضية مقارنة بحجم الضرائب في عهد ولد الغزواني، كما أنها وطيلة السنوات الماضية لم تكن عرضة لأي غرامات جراء إخلالها بشروط ومعايير الصفقة المتضمنة في دفر الالتزامات بالرغم من حالات إخلال بالتزاماتها والتأخر في بعض مواعيد التسليم.

ولوحظ أن الشركة استبدلت ممثليها في البلاد بعيد تغير النظام الحاكم في البلاد، وانتقال الرئاسة من الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، إلى الرئيس محمد ولد الغزواني.

ورغم الخسائر الكبيرة التي تكبدتها عدة شركات كبرى في البلاد جراء توريد الشركة لشحنة من "الفيول" توجد فيها مادة مضافة، فقد تدخل وزير البترول والطاقة والمعادن لمنع الشركات من مطالبة ADDAX بدفع أكثر من 33 مليون دولار.

وبررت الوزارة إجراءها بأنه يأتي لـ "تخفيف الخطر على سلسلة التموين الهشة، وتجنبا للجوء الى التحكيم غير مضمون النتائج أمام المحاكم الدولية، وما قد يشكله من تأثير على جاذبية السوق الموريتاني، وسمعة البلد، ومستوى أسعار العرض، وحرصا على تفادي تقلص قاعدة الشركات المهتمة بالسوق الوطني".

اقتراح بدائل

وكان الخبير الاقتصادي سيدي أحمد ولد ابوه قد أكد ضرورة ضمان موريتانيا "لنفسها إمدادات مستديمة بما يقلل من إكراهات التزود من السوق العالمي وفق الصيغة الحالية المتبعة منذ عقود".

 

واعتبر الخبير الاقتصادي أن ذلك لن يتأتى إلا عبر أحد حلين، أولهما هو "مواصلة التزود من المزود الحالي لسنة واحدة إضافية حتى لا يحدث فراغ في سلسلة الإمداد وريثما تقوم السلطات بتوظيف علاقاتها الديبلوماسية المتميزة مع البلدان العربية النفطية (الجزائر وبلدان الخليج) لضمان عقد تزويد دائم وبكلفة أقل".

 

أما الحل الثاني وفق الخبير الاقتصادي، فهو أن تنسق موريتانيا مع السنغال ومالي حول عقد ثلاثي مع مزود واحد ما سيضمن شروطا تفاوضية ومالية أحسن بالنظر إلى أن حجم الشحنات سيتضاعف عشر مرات، واصفا ذلك بأنه في مصلحة موريتانيا، ويمكن اللجوء له "أمام استحالة أو تعقد الحل الأول".